مجمع البحوث الاسلامية
214
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الفرّاء : كما تقول : افعلوا ولا تفعلوا ، أو لا تفعلوا وافعلوا . ( 1 : 53 ) الأخفش : فهو على أحد وجهين : إمّا أن يكون يراد ب ( الحسن ) ، ( الحسن ) كما تقول : البخل والبخل ، وإمّا أن يكون جعل الحسن هو الحسن في التّشبيه ، كما تقول : إنّما أنت أكل وشرب . وهذه الكلمة في الكلام ليست بكثيرة ، وقد جاءت في القرآن . وقد قرأها بعضهم ( حسنا ) يريد : قولوا لهم حسنا ، وقال بعضهم : ( قولوا للنّاس حسنى ) . يؤنّثها ولم ينوّنها . وهذا لا يكاد يكون لأنّ « الحسنى » لا يتكلّم بها إلّا بالألف واللّام ، كما لا يتكلّم بتذكيرها إلّا بالألف واللّام . فلو قلت : جاءني أحسن وأطول ، لم يحسن حتّى تقول : جاءني الأحسن والأطول ، فكذلك هذا يقول : جاءتني الحسنى والطّولى . إلّا أنّهم قد جعلوا أشياء من هذا أسماء نحو : دنيا ، وأولى . ويقولون : هي خيرة النّساء ، هنّ خيرات النّساء ، لا يكادون يفردونه ، وإفراده جائز . وفي كتاب اللّه عزّ وجلّ : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ الرّحمن : 70 ، وذلك أنّه لم يرد « أفعل » وإنّما أراد تأنيث « الخير » لأنّه لمّا وصف فقال : ( فلان خير ) ، أشبه الصّفات فأدخل الهاء للمؤنّث . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 1 : 309 ) الطّبريّ : إن قال قائل : كيف قيل : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فأخرج الكلام أمرا ولمّا يتقدّمه أمر ، بل الكلام جار من أوّل الآية مجرى الخبر ؟ قيل : إنّ الكلام وإن كان قد جرى في أوّل الآية مجرى الخبر ، فإنّه ممّا يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنّهي ، فلو كان مكان : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ لا تعبدوا إلّا اللّه - على وجه النّهي من اللّه لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا . وقد ذكر أنّ ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب ، وإنّما حسن ذلك وجاز لو كان مقروء به ، لأنّ أخذ الميثاق قول ، فكان معنى الكلام لو كان مقروء كذلك : وإذ قلنا لبني إسرائيل : لا تعبدوا إلّا اللّه ، كما قال جلّ ثناؤه في موضع آخر : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ البقرة : 63 - 93 ، فلمّا كان حسنا وضع الأمر والنّهي في موضع ( لا تعبدون الّا اللّه ) عطف بقوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً على موضع ( لا تعبدون ) ، وإن كان مخالفا كلّ واحد منهما ، ومعناه معنى ما فيه لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنّهي موضع ( لا تعبدون ) ، فكأنّه قيل : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلّا اللّه ، وقولوا للنّاس حسنا . وهو نظير ما قدّمنا البيان عنه ، من أنّ العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر ، عن الغائب في موضع الحكايات ، كما أخبرت عنه ، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب ، وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب ، ثمّ تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب ، لما في الحكاية من المعنيين . وأمّا « الحسن » فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته ، فقرأته عامّة قرّاء الكوفة غير عاصم : ( وقولوا للنّاس حسنا ) بفتح الحاء والسّين ، وقرأته عامّة قرّاء المدينة : ( حسنا ) بضمّ الحاء وتسكين السّين . وقد روي عن بعض القرّاء أنّه كان يقرأ ( وقولوا للنّاس حسنى ) على